أحمد بن علي القلقشندي
166
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أنّ مثله لا يهمل واجبا ، ولأمر ما قال الأحنف ( 1 ) وقد وصف بالأناة : لكنّي أتعجّل أن لا أردّ كفؤا خاطبا . النوع التاسع ( في الاسترضاء والاستعطاف والاعتذار ) قال في « موادّ البيان » : المكاتبة في استعطاف الرّؤساء ، وملاطفة الكبراء ، تحتاج إلى حسن تأتّ ؛ لما تشتمل عليه من إيجاب حقوق الخدمة ، وما أسلفوه من مرعيّ الخدم ، وما يتبع هذا من التنصّل والاعتذار الذي يسلّ السخائم من القلوب ، ويستنزل الأوغار من الصّدور ، ويطلع الأنس وقد غرب ، ولها موقع في تأليف الكلام . قال : وينبغي للكاتب أن يستعمل فيها فكره ، ويوفّيها حقّها من جودة الترتيب ، واستيفاء المعاني ، وأن يذهب إلى استعمال الألفاظ الجامعة لمعاني العذر ، الملوّحة بالبراءة مما قرف ( 2 ) به ، ولا يخرج لفظه مخرج من يقيم الحجة على براءة الساحة مما رمي به ، فإنّ ذلك مما يكرهه الرؤساء ؛ لأنّ عادتهم جارية بإيثار اعتراف الخدّام لهم بالتقصير والتفريط والإخلال بالفروض ، ليكون لهم في العفو عند الإقرار عارفة توجب شكرا مستأنفا ، فأما إذا أقام التابع الحجة على براءته وسلامته مما رفع عنه ، فلا يوضع الإحسان إلا ( 3 ) إليه في إقراره على منزلته ، والرّضا عنه والاستعطاف ، بل ذلك واجب له ، في منعه منه ظلم .
--> ( 1 ) هو أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حفص بن تميم التميمي ، المعروف بالأحنف ، وقيل ، : اسمه صخر ، وهو الذي يضرب به المثل في الحلم . كان من سادات التابعين ، ولد في البصرة ، وأدرك عهد النبي ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ولم يصحبه . توفي بالكوفة سنة 67 ه ، وقيل : 68 ه ، وقيل 72 ه ، وقيل : 77 ه ، والأول أشهر ، وكان قد كبر جدا . انظر وفيات الأعيان ( ج 2 ص 499 - 506 ه ) وجمهرة أنساب العرب ص 217 والأعلام ( ج 1 ص 276 - 277 ) . ( 2 ) في الأصل : « مما قرب منه » ، وهو تصحيف من الناسخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) المراد أن إقراره والرضى عنه ليس من الإحسان بل من الواجب . حاشية الطبعة الأميرية .